الاثنين، 3 أغسطس، 2015

وكان أبى -رحمه الله- رجلا صعيديا 
عندما كان الإنتماء إلى الجنوب الحار المترب القاسى يعنى شيئا..
كان يحب الجلوس على الأرض والتبسط فى قوة تفرض نفسها على مدعي الثقافة والإنتماء إلى ما لا يعرفونه ....
كانت المتاعب فى أيامه سهلة والصراعات لا تتمحور على ماهية الحياة...كان أكبرها هو إنتظارنا لصياحه الصباحى وشتيمته لأولاد الكلب الذين يتسللون ليلا ويأخذون الشبشب من مكانه المقدس تحت السرير فى حل سريع للاعتماد على الأب المنظم الموجود..كانت عادته أن يدخل إلى المنزل ويضع حقيبته السامسونيت المعقدة المنظر على المكتب...يفرغ جيوبه ونقوده ومفاتيحه داخلها ويتركها مفتوحة...كان ربما الوحيد الذى أستطعت أن أمارس ذلك الدلع الأنثوى  المعروف عندما ترغب الأنثى فى شئ ما..ولم أتعدى بعد الطفولة..
فأطلب فستانا جديدا...فيخبرنى نفس الرد دائما " الحقيبة مفتوحة ...خذى ما ترغبين"
وعادة أنسى أو تتضاءل أهمية أى إحتياج لأننى أعلم أنه موجود حين أحتاج..
وكان زملكاويا متعصبا فى حب..لم يكن التشجيع ولا الفرح كما الآن مؤلما وقاسيا ومعقدا...وقت المبارة تتحول الصالة إلى ساحة حرب..لم يكن ليجرؤ أيا منا على المرور من أمامه وإلا نال واحدة من نفحاته المتطايرة..وإذا إنتهت المبارة بفوز الزمالك..وكان هذا وقت يفوز فيه الزمالك من باب العادة وليس المعجزة أو الحدث الكونى كما الآن-كان يتناول التليفون الأسود العتيق ويتصل بأصدقائه أهلاويا أهلاويا ويمنح كلا منهم خمسة دقائق من الشماتة الضاحكة..ثم يتبع بذلك بجولة مماثلة على القهوة فى جلبابه الصعيدى الأبيض..
فقدان الأب أو الأم عادة يشبه فقدان ما يثبتك على الأرض...ثم أنه يترك ما يشبه البتر فى أعماقك..تضحك فى صراعك اليومى وتذهب وتأتى وتحب وتكره..
ولكن يظل ذلك البتر..ذلك العضو المفقود..ذلك الفقد المشوه لشئ ما فى نسجيك...
يظل معك..لا يرحل أبدا
رحمك الله أيها الرجل الصعيدى الحار..الساخر..قدمى منذ رحلت حائرة لا تجد لها موطئ ولا بيت..

هناك 3 تعليقات:

Unknown يقول...

كم هي رائعه وعميقه هذه القطعه..

Unknown يقول...

كم هي رائعه وعميقه هذه القطعه..

حسن ارابيسك يقول...

رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته
( لكن يظل ذلك البتر..ذلك العضو المفقود..ذلك الفقد المشوه لشئ ما فى نسجيك...
يظل معك..لا يرحل أبدا )
جملة سمعت جوايا قوي
تحياتي
حسن أرابيسك